فصل: تفسير الآيات (119- 124):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (98- 102):

{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)}

.شرح الكلمات:

{فإذا قرأت القرآن}: أي أردت أن تقرأ القرآن.
{فاستعذ بالله من الشيطان}: أي قل أعوذ من الشيطان الرجيم لحمايتك من وسواسه.
{إنه ليس له سلطان}: أي قوة وتسلط على إفساد الذين آمنوا وإضلالهم، ما داموا متوكلين على الله.
{وإذا بدلنا آية مكان آية}: أي بنسخها وإنزاله آية أخرى غيرها لمصلحة العباد.
{قل نزله روح القدس}: أي جبريل عليه السلام.
{ليثبت الذين آمنوا}: أي على إيمانهم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في هداية المسلمين وتكليمهم، فقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن} يا محمد أنت أو أحد من المؤمنين أتباعك {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} أي إذا كنت قارئا عازماً على القراءة فقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن ذلك يقيك من وسواسه الذي قد يفسد عليك تلاوتك، وقوله: {إنه ليس له} أي الشيطان {سلطان} يعني تسلط وغلبه وقهر {على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} وهذه بشرى خير للمؤمنين {إنما سلطانه على الذين يتولونه} بطاعته والعمل بتزيينه للشر والباطل، {والذين هم به مشركون}. هؤلاء هم الذين يتسلط الشيطان عليهم فيغويهم ويضلهم حتى يهلكهم. وقوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} أي نسخنا بحكم آخر بآية أخرى قال المشركون المكذبون بالوحي الإلهي {إنما أنت} يا محمد {مفترٍ} تقول بالكذب والخرص، أي يقول اليوم شيئاً ويقول غداً خلافه. وقوله تعالى: {والله أعلم بما ينزل} فإنه ينزله لمصلحة عباده فينسخ ويثبت لأجل مصالح المؤمنين. وعلم الله تعالى رسوله كيف يرد على هذه الشبهة وقال له {قل نزله القدس من ربك بالحق} فلست أنت الذي تقول ما تشاء وإنما هو وحي الله وكلامه ينزل به جبريل عليه السلام من عند ربك بالحق الثابت عند الله الذي لا يتبدل ولا يتغير، وذلك لفائدة تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وإسلامهم. فكلما نزل قرآن ازداد المؤمنون إيماناً فهو كالغيث ينزل على الأرض كلما نزل ازدادت حياتها نضرة وبهجة فكذلك نزول القرآن تحيا بها المؤمنين، وهو أي القرآن هدى من كل ضلالوة. وبشرى لكل المسلمين بفلاح الدنيا وفوز الآخرة.

.من هداية الآيات:

1- استحباب الاستعاذة عند قراءة القرآن بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
2- بيان أنه لا تسلط للشيطان على المؤمنين المتوكلين على ربهم.
3- بيان ان سلطان الشيطان على أوليائه العاملين بطاعته المشركين بربهم.
4- بيان أن القرآن فيه الناسخ والمنسوخ.
5- بيان فائدة نزول القرآن بالناسخ والمنسوخ وهي تثبيت الذين آمنوا على إيمانهم وهدى من الضلالة وبشرى للمسلمين بالفوز والفلاح في الدارين.

.تفسير الآيات (103- 109):

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}

.شرح الكلمات:

{بشر}: يعنون قينا (حداداً) نصرانياً في مكة.
{لسان الذي يلحدون إليه}: أي يميلون إليه.
{وهذا لسان عربي}: أي القرآن فكيف يعلمه اعجمي.
{الا من أكره}: أي على التلفظ بالكفر فتلفظ به.
{ولكن من شرح بالكفر صدرا}: أي فتح صدره الكفر وشرحه له فطابت نفسه له.
{وأولئك هم الغافلون}: أي عما يراد بهم.
{لا جرم}: أي حقاً.
{هم الخاسرون}: أي لمصيرهم إلى النار خالدين فيها أبدا.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين الذين اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالافتراء فقال تعالى: {ولقد تعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} أي يعلم محمداً بشر أي إنسان من الناس، لا انه وحي يتلقاه من الله. قال تعالى في الرد على هذه الفرية وإبطالها {لسان الذين يلحدون إليه} أي يميلون إليه بانه هو الذي يعلم محمد لسانه {أعجمي} لأنه عبد رومي، {وهذا} أي القرآن {لسان عربي مبين} ذو فصاحة وبلاغة وبيان فكيف يتفق هذا مع ما يقولون أنهم يكذبون لا غير، وقوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله} وهي نور وهدى وحجج قواطع، وبرهان ساطع {لا يهديهم} إلى معرفة الحق وسبيل الرشد لأنهم أعرضوا عن طريق الهداية وصدوا عن سبيل العرفان وقوله: {ولهم عذاب أليم} أي جزاء كفرهم بآيات الله. وقوله: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} أي إنما يختلق الكذب ويكذب فعلاً الكافر بآيات الله لأنه لا يرجو ثواب الله ولا يخاف عقابه، فلذا. لا يمنعه شيء عن الكذب، أم المؤمن فإنه يرجو ثواب الصدق ويخاف عقاب الكذب أبداً، وبذا تعين ان النبي لم يفتر الكذب وإنما يفترى عقاب الكذب أولئك المكذبون بآيات الله وهم حقاً الكاذبون. وقوله تعالى: {ومن كفر بالله من بعد إيمانه الا من أكره} على التلفظ بالكفر {وقلبه مطمئن بالإيمان} لا يخامره شك ولا يجد اضطراباً ولا قلقاً فقال كلمة لفظاً فقط، فهذا كعمار بن ياسر كانت قريش تكرهه على كلمة الكفر فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في قولها بلسانه ولكن المستحق للوعيد الآتي {من شرح بالكفر صدراً} أي رضي بالكفر وطابت نفسه وهذا وأمثاله {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} أي باءوا بغضب الله وسخطه ولهم في الاخرة عذاب عظيم، وعلل تعالى لهذا الجزاء العظيم بقوله: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الاخرة} بكفرهم بالله وعدم إيمانهم به لما في ذلك من التحرر من العبادات، فلا طاعة ولا حلال ولا حرام، وقوله تعالى: {وإن الله لا يهدي القوم الكافرين} هذا وعيد منه تعالى سبق به علمه وان القوم الكافرين يحرمهم التوفيق للهداية عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه.
وقوه تعالى: {أولئك الذين طبع على قلوبهم} وعلى سمعهم وأبصارهم أولئك الذين توعدهم الله بعدم هدايتهم هم الذين طبع على قلوبهم فهم لا يفهمون {وسمعهم} فهم لا يسمعون المواعظ ودعاء الدعاة إلى الله تعالى {وأبصارهم} فهم لا يبصرون آيات الله وحججه في الكون، وما حصل لهم من هذه الحال سببه الإعراض المتعمد وإيثار الحياة الدنيا، والعناد، والمكابرة، والوقوف في وجه دعوة الحق والصد عنها. وقوله: {وأولئك هم الغافلون} أي عما خلقوا له، وعما يراد لهم من نكال في الآخرة وعذاب أليم، وقوله تعالى: {لا جرم} أي حقاً {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} المغبرنون حيث وجدوا أنفسهم في عذاب أليم دائم لا يخرجون منه ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

.من هداية الآيات:

1- دفاع الله تعالى عن رسوله ودرء كل تهمة توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- المكذبون بآيات الله يحرمون هداية الله، لأن طريق الهداية هو الايمان بالقرآن. فلما كفروا به فعلى أي شيء يهتدون.
3- المؤمنون لا يكذبون لإيمانهم بثواب الصدق وعقاب الكذب، ولكن الكافرين هم الذين يكذبون لعدم ما يمنعهم من الكذب إذ لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً.
4- الرخصة في كلمة الكفر في حال التعذيب بشرط اطمئنان القلب إلى الايمان وعدم انشراح الصدر بكلمة الكفر.
5- إيثار الدنيا على الاخرة طريق الكفر وسبيل الضلال والهلاك.

.تفسير الآيات (110- 113):

{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)}

.شرح الكلمات:

{هاجروا}: أي إلى المدينة.
{من بعد ما فتنوا}: أي فتنهم المشركون بمكة فعذبوهم حتى قالوا كلمة الكفر مكرهين.
{ان ربك من بعدها}: أي من بعد الهجرة والجهاد والجهاد والصبر على الإيمان والجهاد.
{لغفور رحيم}: أي غفور لهم رحيم بهم.
{يوم تأتي}: أي اذكر يا محمد يوم يأتي كل نفس تجادل عن نفسها.
{مثلا قربة}: هي مكة.
{رزقها رغداً}: أي واسعاً.
{فكفرت بأنعم الله}: أي بالرسول والقرآن والأمن ورغد العيش.
{فأذاقها الله لباس الجوع}: أي بسبب قحط اصابهم حتى أكلوا العهن لمدة سبع سنين.
{والخوف}: حيث أصبحت سرايا الإسلام تغزوهم وتقطع عنهم سبل تجارتهم.

.معنى الآيات:

بعدما ذكر الله رخصة كلمة الكفر عند الإكراه وبشرط عدم إنشراح الصدر بالكفر ذكر مخبراً عن بعض المؤمنين، تخلفوا عن الهجرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ارادوا الهجرة منعتهم قريش وعذبتهم حتى قالوا كلمة الكفر، ثم تمكنوا من الهجرة فهاجروا وجاهدوا وصبروا فأخبر الله تعالى عنهم بانه لهم مغفرة ورحمته، فلا يخافون ولا يحزنون فقال تعالى: {ثم إن ربك} أيها الرسول {للذين هاجروا من بعدما فتنوا} أي عذبوا {ثم جاهدوا وصبروا ان ربك من بعدها لغفور رحيم} أي غفور لهم رحيم بهم.
وقوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} أي اذكر واعظاً به المؤمنين أي تخاصهم طالبة النجاة لنفسها {وتوفى كل نفس ما عملت} أي من خيراً أو شر {وهم لا يظلمون} لا الله عدل لا يجوز في الحكم ولا يظلم، وقوله تعالى: {وضرب الله مثلاً قرية} أي مكة {كانت آمنة} من غارات الأعداء {مطمئنة} لا ينتابها فزع ولا خوف، لما جعل الله تعالى في قلوب العرب من تعظيم الحرم وسكانه، {يأتيها رزقها رغداً} أي واسعاً {من كل مكان} حيث يأتيها من الشام واليمن في رحلتيهما في الصيف والشتاء {فكفرت بأنعم الله} وهي تكذيبها برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكارها للتوحيد، وإصرارها على الشرك وحرب الإسلام {فأذاقها الله لباس الجوع} فدعا عليهم الرسول اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين السبع الشداد، فأصابهم القحط سبع سنوات فجاعوا حتى اكلوا الجيف والعهن، وأذاقها لباس الخوف إذ أصبحت سرايا الإسلام تعترض طريق تجارتها والخوف بسبب صنيعهم الفاسد وهو اضطهاد المؤمنين بعد كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك. وقوله تعالى: {ولقد جاءهم رسول منهم} هو محمد صلى الله عليه وسلم {فكذبوه} أي اجحدوا رسالته وانكروا نبوته وحابروا دعوته {فأخذهم العذاب} عذاب الجوع والخوف والحال أنهم {ظالمون} أي مشركون وظالمون لأنفسهم حيث عرضوها بكفرهم إلى عذاب الجوع والخوف.

.من هداية الآيات:

1- فضل الهجرة والجهاد والصبر، وما تكفر هذه العبادات من الذنوب وما تمحو من خطايا.
2- وجوب التذكير باليوم الآخر وما يتم فيه من ثواب وعقاب للتجافي عن الدنيا والإقبال على الآخرة.
3- استحسان ضرب الأمثال من أهل العلم.
4- كفر النعم بسبب زوالها والانتقام من أهلها.
5- تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في ما جاء به، ولو بالإعراض عنه وعدم العمل به يجر البلاء والعذاب.

.تفسير الآيات (114- 118):

{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)}

.شرح الكلمات:

{فكلوا}: أي أيها الناس.
{حلالاً طيباً}: أي غير حرام ولا مستقذر.
{واشكروا نعمة الله عليكم}: أي بعبادته وبالانتهاء إلى ما أحل لكم عما حرمه عليكم.
{إن كنتم إياه تعبدون}: أي إن كنتم تعبدونه وحده فامتثلوا أمره، فكلوا مما أحل لكم وذروا ما حرم عليكم.
{الميتة}: أي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير تذكية شرعية.
{والدم}: أي الدم المسفوح السائل لا المختلط باللحم والعظم.
{وما أهل لغير الله به}: أي ما ذكر عليه غير اسم الله تعالى.
{غير باغٍ ولا عادٍ}: أي غير باغ على احد، ولا عاد أي متجاوز حد الضرورة.
{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب}: أي لا تحللوا ولا تحرموا بألسنتكم كذباً على الله فتقولوا هذا حلال وهذا حرام بدون تحليل ولا تحريم من الله تعالى.
{وعلى الذين هادوا}: أي اليهود.
{حرمنا ما قصصنا عليك من قبل}: أي في سورة الأنعام.

.معنى الآيات:

امتن الله عز وجل على عباده، فأذن لهم أن يكلوا مما رزقهم من الحلال الطيب ويشكروه على ذلك بعبادته وحده وهذا شأن من يعبد الله تعالى وحده، فإنه يشكره على ما أنعم به عليه، وقوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} فلا ترحموا ما يحرم عليكم كالسائبة والبحيرة والوصيلة التي حرمها المشركون افتراء على الله وكذبا. وقوله: {فمن اضطر} منكم أي خاف على نفسه ضرر الهلاك بالموت لشدة الجوع وكان {غير باغ} على أحد ولا معتد ما أحل له ما حرم عليه. فليأكل ما يدفع به غائلة الجوع ولا إثم عليه {فإن الله غفور رحيم} فيغفر للمضطر كما يغفر للتائب ويرحم المضطر فيأذن له في الأكل دفعاً للضرر رحمة به كما يرحم من أناب إليه.
وقوله: {ولا تقولوا لما تضف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} أي ينهاهم عن التحريم والتحليل من تلقاء أنفسهم بأن يصفوا الشيء بأنه حلال أو حرام لمجرد قولهم بألسنتهم الكذب: هذا حلال وهذا حرام كما يفعل المشركون فحللوا وحرموا بدون وحي إلهي ولا شرع سماوي. ليؤول قولهم وصنيعهم ذلك إلى الإفتراء على الله والكذب عليه. مع ان الكاذب على الله لا يفلح ابداً لقوله: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل} وإن تمتعوا قليلاً في الدنيا بمال أو ولد أو عزة وسلطان فإن ذلك متاع قليل جداً ولا يعتبر صاحبه مفلحاً ولا فائزاً. فإن وراء ذلك العذاب الآخروي الأليم الدائم الذي لا ينقطع. وقوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} يخاطب الله تعالى رسوله فيقول: كما حرمنا على هذه الأمة المسلمة الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله، حرمنا على اليهود ما قصصنا عليك من قبل في سورة الانعام.
إذ قال تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها الا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم}. وحرم هذا الذي حرم عليهم بسبب ظلم منهم فعاقبهم الله فحرم عليهم هذه الطيبات التي أحلها لعباده المؤمنين. ولذا قال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.

.من هداية الآيات:

1- يجب مقابلة النعم بالشكر فمن غير العدل أن يكفر العبد نعم الله تعالى عليه قلا يشكره عليها بذكره وحمده وطاعته بفعل محابه وترك مساخطه.
2- بيان المحرمات من المطاعم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله.
3- بيان الرخصة في الأكل من المحرمات المذكورة لدفع غائلة الموت.
4- حرمة التحريم والتحليل بغير دليل شرعي قطعي ولا ظني الا ما غلب على الظن تحريمه.
5- حرمة الكذب على الله وأن الكاذب على الله لا يفلح في الآخرة وفلاحه في الدنيا جزئي.
6- قد يحرم العبد النعم بسبب ظلمه فكم حرمت أمة الإسلام من نعم بسبب ظلمها في عصور انحطاطها.

.تفسير الآيات (119- 124):

{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)}

.شرح الكلمات:

{ثم إن للذين عملوا السوء بجالهة}: أي ثم ان ربك غفور رحيم للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا.
{من بعدها}: أي من بعد الجهالة والتوبة.
{إن إبراهيم كان امة}: أي إماماً جامعاً لخصال الخير كلها قدوة يقتدى به في ذلك.
{قانتاً لله حنيفاً}: أي مطيعاً لله حنيفاً: مائلاً إلى الدين القيم الذي هو الإسلام.
{اجتباه}: أي ربه اصطفاه للخلة بعد الرسالة والنبوة.
{وآتيناه في الدنيا حسنة}: هي الثناء الحسن من كل أهل الأديان السماوية.
{إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه}: أن اليهود أمروا بتعظيم الجمعة فرفضوا وأبوا الا السبت ففرض الله عليهم ذلك وشدد لهم فيه عقوبة لهم.

.معنى الآيات:

بعدما نددت الآيات في سياق طويل بالشرك وإنكار البعث والنبوة من قبل المشركين الجاحدين المعاندين، وقد أوشك سياق السورة على الانتهاء فتح الله تعالى باب التوبة لهم وقال: {ثم إن ربك} أي بالمغفرة والرحمة {للذين عملوا السوء بجهالة} فأشكروا بالله غيره وأنكروا وحيه وكذبوا بلقائه {ثم تابوا من بعد ذلك} فوحدوه تعالى بعبادته وأقروا بنبوة رسوله وآمنوا بلقائه واستعدوا له بالصالحات {وأصلحوا} ما كانوا قد أفسدوه من قلوبهم وأعمالهم وأحوالهم {إن ربك من بعدها} من بعد هذه التوبة والأوبة الصحيحة {لغفور رحيم} بهم. فكانت بشرى لهم على لسان كتاب ربهم. {شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين. ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} إنه لما كان من شبه المشركين انهم على دين أبيهم إبراهيم باني البيت وشارع المناسك ومحرم الحرم، واليهود والنصارى كذلك يدعون أنهم على ملة إبراهيم فأصر الجميع على أنه متبع لملة إبراهيم وأنه على دينه ورفضوا الإسلام بدعوى ما هم هو دين الله الذي جاء به إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، ومن باب إبطال الباطل وإزاحة ستار الشبه وتنقية الحق لدعوة الحق والدين الحق ذكر تعالى جملة من حياة إبراهيم الروحية والدينية كمثال حي ناطق لكل عاقل إذا نظر اليه عرف هل هو متبع لإبراهيم يعيش على ملته أو هو على غير ذلك. فقال تعالى: {إن إبراهيم كامة أمة} أي أماماً صالحاً جامعاً لخصال الخير، يقتدي به كل راغب في الخير. هذا أولاً وثانياً انه كان قانتاً أي مطيعاً لربه فلا يعصى له امراً ولا نهياً ثالثاً لم يك من المشركين بحال من الأحوال بل هو برئ من الشرك وأهله، ورابعاً كان شاكراً لأنعم الله تعالى عليه أي صارفاً نعم الله فيما يرضي الله، خامساً اجتباه ربه أي اصطفاه لرسالته وخلته لأنه أحب الله أكثر من كل شيء فتخلل حب الله قلبه فلم يبق لغيره في قلبه مكان.
فخالة الله أي بادلة خلة فكان خليل الرحمن. سادساً وهداه إلى صراط مستقيم الذي هو الإسلام، سابعاً وآتاه في الدنيا حسنة وهي الثناء الحسن والذكر الجميل من جميع أهل الأديان الإلهية الأصل. ثامناً وأنه في الآخرة لمن الصالحين الذين قال الله تعالى فيهم: اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهي منزلة من أشرف المنازل وأسماها. تاسعاً مع جلال قدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورفعة مكانته أمره الله تعالى أن يتبع ملة إبراهيم حنيفاً.
هذا هو إبراهيم فمن أحق بالنسبة إليه، المشركون؟ لا! اليهود؟ لا، النصارى؟ لا! المسلمون الموحدون؟ نعم نعم اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وأكرمنا يوم تكرمهم.
وقالى تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} فيه دليل على بطلان دعوى اليهود أنهم على ملة إبراهيم ودينه العظيم، إذ تعظيم السبت لم يكن من دين إبراهيم، وإنما سببه ان الله تعالى اوحى إلى أحد انبيائهم ان يأمر بني إسرائيل بتعظيم الجمعة فاختلفوا في ذلك وآثروا السبت عناداً ومكابرة فكتب الله عليهم تعظيم السبت. وقوله: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} فيه وعد لهم وأنه سيجزيهم سوءاً على تمردهم على أنبيائهم واختلافهم عليهم.

.من هداية الآيات:

1- باب التوبة مفتوح لكل ذي ذنب عظم أو صغر على شرط صدق التوبة بالاقلاع الفوري والندم والاستغفار الدائم وإصلاح الفاسد.
2- تقرير التوحيد والإعلان من شأن إبراهيم عليه السلام وبيان كمالاته وإنعام الله عليه.
3- بيان أن سبت اليهود هو من نقم الله عليهم لا من نعمه وافضاله عليهم.